شارع المتنبي عصب الثقافة في العراق وتأريخ بغداد العريق وحضارتها

بقلم| سارة جميل (ناشطة عراقية)

بني شارع المتنبي في زمن الحكم العباسي ويمتد عمره بعمر بغداد تقريبًا شهد هذا الشارع الكثير من الأحداث مثله مثل أي شارع قديم ببغداد عاصر الاحتلالات وكل دمار مر بالعراق لكنه بقي صرحا وعمودا ثقافيا وعلميًا إلى يومنا هذا.

وخلال الحكم الملكي على العراق وتحديدا في زمن الملك فيصل الأول عام 1932م تم تسمية الشارع على اسم الشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي (915/965 م) الذي ولد في زمن الحكم العباسي، يمتد طول هذا الشارع حوالي كيلو مترًا ويوجد بنهاية الشارع الذي يؤدي إلى ضفاف دجلة تمثال كبير للشاعر المتنبي ونصبٌ خط عليه أحد أشعاره. وعند السير باتجاه شارع المتنبي وقبل الوصول لهذا الشارع نستوقف عند ساحة “الرصـافي” التي يتوسطها تمثال الشاعر الكبير (معروف الرصافي) تطل هذه الساحة على شوارع بغدادية عريقة؛ فلو اتجهنا يمينًا نتجه لشارع المتنبي ولو اتجهنا يسارًا سنتجه لشارع الرشيد الذي يعد من الشوارع القديمة والتراثية، ولكنه تعرض لإهمال كبير مع أن تاريخه عريق وضارب بالقدم إلا أن السلطات في العراق لم تحافظ عليه رغم أصالته. ولو توجهنا إلى الأمام فسنجد جسر الشهداء الذي يؤدي إلى جانب الكرخ من بغداد.

تعرض شارع المتنبي في آذار عام 2007 إلى انفجار إرهابي بشاحنة أدى إلى خراب جزء كبير من أبنيته القديمة التاريخية وأيضًا قتل حينها في هذا الانفجار نحو ثلاثين شخصًا وأصيب العشرات بجروح. وتعرض مقهى الشاهبندر العريق إلى دمار كبير بهذا الانفجار أيضًا قتل حينها خمسة من مالكيه، ويعد هذا المقهى من المقاهي القديمة الذي يرتاده مثقفو العراق ويستقبل العديد من الوفود كالسفراء وغيرهم. لكن هذا الشارع شهد الكثير من الأحداث الدامية لأجل محوه واندثاره؛ لكنه ظل صامدًا رغم هذه المحاولات.

وفي الفترة الأخيرة قاموا بإعمار هذا الشارع العريق وظهر بمظهر جميل وكأن بغداد انتزعت ثوب الحزن وارتدت ثوب الفرح من جديد، فرح العراقيون و”البغداديون” بهذا الشارع وكأنهم متعطشين للحياة ولعودة الجمال لبغدادهم، يرتاد هذا الشارع العديد من المثقفين والفنانين والقراء لاقتناء الكتب والعديد من الأمور الثقافية الأخرى.

يتميز شارع المتنبي بامتداد المكتبات على طول هذا الشارع حيث تمتلئ بالكتب الجديدة والقديمة التي ممكن أن تعود لأكثر من قرن تقريبًا، عند ذهابي لهذا الشارع في الليل رأيته يعج بالحياة ومليء بالناس حيث لا مجال للوقوف، وعلى طول الطريق ترى الرسامين والعازفين ينتشرون على طول الشارع تفصل بينهم خطوات بسيطة، حيث يعزف العازف ويغني المطرب الذي يحمل صوتًا شجيًا يعود بنا إلى الزمن القديم، وأيضًا يمتلئ المكان بالأغاني القديمة والمقامات العراقية التي تأسر الروح وكأننا بزمن جميل ليس كالزمن الذي نعيشه اليوم، عند الدخول لهذا الشارع نشعر أننا بعالم آخر ليس كالذي نعيشه، لكن حالما نخرج منه نشاهد الخراب والدمار والإهمال الكبير الذي يغطي بغداد وشوارعها القديمة التي من واجب الدولة الاعتناء بها والمحافظة عليها وعدم إهمالها تحت أي ذريعة وبأي ظرف كان، لأنها تحمل تاريخ بغداد العريق..

  • Related Posts

    بينَ ضربةِ المحرابِ وغصّةِ الفراق.. سلامٌ على الأرواحِ التي غادرتنا في أقدسِ الليالي

    الإطار التنسيقي: ستبقى دماء الشهيد الخامنئي نبراساً لكل الأجيال وصرخة مستمرة بوجه الطغيان

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *