تأخذ التوترات الأمنية في العاصمة العراقية بغداد منحى خطيراً، مع استمرار محاولات أنصار فصائل مسلحة الوصول إلى مبنى السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين، في رد منها على الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. التحرك بدأ منذ الأمس وتطور ليلاً إلى مواجهات مسلحة مع عناصر الأمن استمرت حتى فجر اليوم الاثنين، مخلفة إصابات في صفوف عناصر الأمن وأضراراً مادية في مواقع وممتلكات رسمية عند أسوار المنطقة الخضراء.
وبحسب شهادات مواطنين، فإن الاحتجاجات تطورت بعد تجمع المئات عند الجسر المعلق قرب أحد أبواب المنطقة الخضراء، قبل أن يحاولوا التقدم لاقتحام البوابة. ومع تصاعد الهتافات ومحاولة الدخول بالقوة تحولت التظاهرات إلى مواجهات اتسمت بالعنف، حيث استخدم بعض المشاركين أسلحة خفيفة وأطلقوا النار باتجاه عناصر الأمن، ما تسبب بإصابة عدد منهم.
واستمرت حالة الكر والفر بين الطرفين، وقام المحتجون بإحراق عجلة تابعة لعناصر الأمن، فيما واجههم الأمن بالقنابل المسيلة للدموع، واستمر ذلك لساعات عدة امتدت حتى فجر اليوم، قبل أن ينسحب المحتجون ويتفرقوا في الشوارع.
من جهتها، أصدرت قيادة العمليات المشتركة للجيش العراقي بياناً شديد اللهجة على خلفية تلك الأحداث، وذكرت أن “الاعتداء تم باستخدام سلاح ناري، مما أدى إلى إصابة عدد من المنتسبين ونقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج”، مستنكرة “هذا الفعل الخطير الذي استهدف أبناء المؤسسات الأمنية خلال تأديتهم مهامهم الدستورية في حماية الممتلكات العامة وضمان سلامة المواطنين”.
وأضافت أن “الوحدات الأمنية التزمت بأقصى درجات الانضباط العسكري وضبط النفس، ولم تلجأ إلى استخدام السلاح الناري رغم تعرضها لإطلاق النار”، مؤكدة “إلقاء القبض على ثلاثة من المتورطين بإطلاق النار، فيما ستتم ملاحقة الآخرين بالطرق القانونية، إذ اتُخذت بحق المعتقلين الإجراءات القانونية وفق السياقات المعتمدة”.
وجددت الدعوة لجميع المتظاهرين بـ”ضرورة الالتزام بالسلمية واحترام القانون والتعليمات النافذة”، مشددة على أن “القوات الأمنية ستتعامل وفق قواعد الاشتباك المعتمدة مع أي اعتداء يستهدف منتسبيها أو مؤسسات الدولة، وبما يضمن حفظ الأمن والاستقرار وسيادة القانون”.
يأتي ذلك في سياق أمني حساس تمر به البلاد، وسط تحذيرات من خروج الاحتجاجات المرتبطة بالتطورات الإقليمية عن السيطرة، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة بين فصائل مسلحة والقوات الأميركية في المنطقة. وتشير المعطيات إلى أن محاولات الوصول إلى مبنى السفارة الأميركية ستتواصل، وهي تمثل تصعيداً نوعياً يتجاوز الاحتجاج السلمي إلى اختبار مباشر لسلطة الدولة.
وفي تصريح أكد ضابط أمن عراقي برتبة مقدم أن الوضع “بالغ الخطورة، خصوصاً مع إصرار بعض المحتجين على جر القوات الأمنية إلى الصدام المباشر”، مبيناً أن “القوات الأمنية حاولت ضبط التظاهرات، لكن المحتجين استخدموا السلاح في خرق خطير للقانون”.
وأكد أن “القوات الأمنية تقوم بواجب حماية المواطنين، بما فيهم المتظاهرون، وكذلك حماية مؤسسات الدولة والبعثات الدبلوماسية، وفق الالتزامات القانونية والدولية للعراق”، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية لن تتخلى عن مسؤوليتها رغم محاولاتها المستمرة لتجنب التصعيد واستخدام القوة.
وأشار إلى أن “التحدي لا يقتصر على احتواء تجمع احتجاجي، بل يتعلق بمنع سابقة قد تؤسس لفرض إرادات خارج أطر القانون”، محذراً من أن “أي اختراق أمني للمنطقة الخضراء قد ينعكس سلباً على مجمل الملف الأمني ويبعث رسائل داخلية وخارجية خطيرة”، مشدداً على أن “الأمن سيتعامل مع الملف بحسب التوجيهات وسلطة القانون”.
وخلال ساعات الليل تكررت محاولات اقتحام المنطقة الخضراء، فيما عززت القوات الأمنية انتشارها ونشرت حواجز إضافية وأغلقت بعض الطرق المؤدية إلى الموقع. وحذر ناشطون من خطورة هذه التحركات وتأثيرها على الملف الأمني، وقال الناشط ماجد العبودي : إن “خطورة الحراك تكمن في انتقاله من إطار التعبير الاحتجاجي إلى استخدام السلاح ضد مؤسسات الدولة، وإن أي تساهل مع مثل هذه الأفعال قد يفتح الباب أمام موجة من الفوضى ويقوض الجهود المبذولة خلال السنوات الماضية لإعادة ضبط الاستقرار الداخلي”.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات الأمنية ما زالت تمسك بزمام الأمور حتى صباح اليوم، مع استمرار انتشارها المكثف في محيط المنطقة الخضراء، فيما يبقى التحدي الأكبر هو منع انزلاق المشهد إلى مواجهة أوسع، والحفاظ على التوازن الدقيق بين حق التظاهر السلمي وفرض سلطة القانون، في اختبار جديد لقدرة حكومة تصريف الأعمال على احتواء أزمات الداخل في ظل مشهد إقليمي معقد.






